محمد حسين هيكل

197

حياة محمد ( ص )

السبيل ، واقتسموا الباقي ورجعوا إلى المدينة ظافرين وقد أعادوا إلى النفوس من هيبة المسلمين شيئا مما ضيّعت أحد . على أن أبا سلمة لم يعش بعد السرية طويلا ؛ فقد كان جرح بأحد ولم يكن التئام جرحه إلا ظاهرا . فلما جهد نفسه نغر الجرح « 1 » وظل به حتى قضي عليه . سرية عبد اللّه بن أنيس واتّصل بمحمد من بعد ذلك أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلّي مقيم بنخلة أو بعرنة ، وأنه يجمع الناس ليغزوه ؛ فدعا إليه عبد اللّه بن أنيس وبعثه يتجسّس حتى يقف على جليّة الخبر ، وسار عبد اللّه حتى لقي خالدا وهو في ظعن يرتاد لهن منزلا . فلما انتهى إليه سأله خالد : من الرجل ؟ فأجابه : أنا رجل من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد فجاءك لذلك . فلم يخف خالد أنه يجمع الجمع ليغزو المدينة . ولمّا رآه عبد اللّه في عزلة من الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة استدرجه للمسير معه ، حتى إذا أمكنته منه الفرصة حمل عليه بالسيف فقتله ، ثم ترك ظعائنة منكبّات عليه يبكينه ، وعاد إلى المدينة فأخبر الرسول الخبر . وهدأت بنو لحيان من هذيل بعد موت زعيمها زمنا ، ثم فكّرت تحتال لتثأر له . يوم الرجيع ( سنة 625 م ) في هذا الحين وفد رهط من قبيلة تجاورهم إلى محمد يقولون له : إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يعلموننا شرائعه ويقرئوننا القرآن . وكان محمد يبعث من أصحابه كلما دعي إلى ذلك ليؤدّوا هذه المهنة الدينية السامية ، وليدعوا الناس إلى الهدى ودين الحق ، وليكونوا لمحمد وأصحابه عونا على خصومهم وأعدائهم ، على نحو ما رأيت من ذلك كله فيمن بعثهم إلى المدينة على أثر العقبة الكبرى . لذلك بعث ستة من كبار أصحابه خرجوا مع الرهط وساروا معهم . فلمّا كانوا جميعا على ماء لهذيل بالحجاز بناحية تدعى الرّجيع ، غدروا بهم واستصرخوا عليهم هذيلا . ولم يرع المسلمين الستة وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم ؛ فأخذ المسلمون أسيافهم ليقاتلوا . لكن هذيلا قالت لهم : إنّا واللّه ما نريد قتلكم ؛ ولكنا نريد أن نصيب لكم مكة ، ولكم عهد اللّه وميثاقهن ألّا نقتلكم . ونظر المسلمون بعضهم إلى بعض وقد أدركوا أن الذهاب بهم إلى مكة فرادى إنما هو المذلّة والهوان وما هو شرّ من القتل ، فأبوا ما وعدت هذيل ، وانبروا لقتالها ، وهم يعلمون أنهم في قلة عددهم لا يطيقونه . وقتلت هذيل ثلاثة منهم ولان الثلاثة الباقون ، فأمسكت بتلابيبهم وأخذتهم أسرى ، وخرجت بهم إلى مكة تبيعهم فيها . فلمّا كانوا في بعض الطريق انتزع عبد اللّه بن طارق أحد المسلمين الثلاثة يده من غلّ الأسر ثم أخذ سيفه ؛ فاستأخر عنه القوم وطفقوا يرجمونه بالحجارة حتى قتلوه أمّا الأسيران الآخران فقدمت بهما هذيل مكة وباعتهما من أهلها . باعت زيد بن الدثنّة لصفوان بن أميّة الذي اشتراه ليقتله بأبيه أميّة بن خلف ؛ فدفع به إلى مولاه نسطاس ليقتله . فلما قدّم سأله أبو سفيان : أنشدك اللّه يا زيد ، أتحبّ أن محمدا الآن عندنا في مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك ؟ قال زيد . واللّه ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي ! فعجب أبو سفيان وقال : ما رأيت من الناس أحدا يحبّه أصحابه ما يحب أصحاب محمد محمدا . وقتل نسطاس زيدا ، فذهب شهيد أمانته لدينه ولنبيه ، أمّا خبيب فحبس حتى خرجوا به ليصلبوه ؛ فقال لهم : إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا ؛ فأجازوه فركع ركعتين أتمّهما وأحسنهما ، ثم أقبل على القوم وقال : أما واللّه لولا أن تظنوا أني إنما طوّلت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة . ورفعوه إلى خشبة ؛ فلمّا أوثقوه إليها نظر إليهم بعين

--> ( 1 ) نغر الجرح : سال منه الدم .